الوعظ في الدور الليتورجي
مقدمة: عناصر وعظية في صلوات الكنيسة الأولىA. التريودي
B. البندكستاري (يوحنا)C. الآحاد من العنصرة إلى التربودي
|
لربما العديد من الصلوات الأولى, وفي الشكر ذاته, كانت عبارة عن عظات, أو حملت فكر الوعظ آنذاك. بمراجعة سريعة لأهم عظات الرسل (أعمال الرسل) يمكننا ملاحظة المواضيع الأساسية التي كان الرسل يعظون بها. وهي باختصار تدور على أجزاء من سرّ التدبير الإلهي الذي يتحقق الآن في كماله بشخص المسيح الآتي.
انقسم الوعظ في الحقبة الأولى إلى قسمين, الأول داخلي ويعني التعليم المسيحي لأهم مبادئ الإيمان. والقسم الثاني بمعنى الكرازة والبشارة, أي إلى الخارج .
وأهم مواضيع الوعظ كانت إذن
أي تمحور الوعظ (البشاري والتعليمي) على حدث تجسد ثم موت وقيامة المسيح.
عدة نصوص في الصلوات وأفاشين القداس الإلهي تحفظ مقاطع عديدة من عظات أو أنها تعيد الذاكرة إليها, وخاصة من ناحية مواضيعها.
تسبق فترة الصوم أربعة آحاد تهيئة غايتها تحضيرنا إلى دخول "الجهاد" الروحي في الصوم وسلوك درب التوبة (راجع سنكسار أحد الفريسي والعشار).
نص الإنجيل (لوقا 10:18-14) يشدد على أن انكسار القلب هو باب التوبة. تشدد الترانيم الغنية على "فتح أبواب التوبة". التواضع هو باب التوبة, بالتواضع نتحرر من الأنانية الفريسية. التواضع والتوبة مرتبطان ويقودان في الصوم إلى "البذل" والتضحية الأمر الذي تشدد عليه رسالة اليوم (2تيمو 10,3-15).
نص الإنجيل (لوقا 11:15-33) يحلل بشكل عميق درجات التوبة (العودة إلى الآب). الترانيم تدور حول أشخاص المثل وتشدد على محبة الآب, الأمر الذي يستدعي التوبة.
نص الرسالة(1كور12,6-20) من أفضل النصوص التي تحثّ على التوبة وعلى تقديس الجسد كهيكل حي لله, وعلى تمجيد الله بالروح والجسد. ويتناول العفة بشكل عام في شهوة الطعام وشهوة الجسد, كما يشددّ على الحرية البشرية والتحرر الروحي بواسطة الصوم.
سبت الأموات "نقيم فيه تذكاراً للراقدين على رجاء القيامة والحياة الأبدية". إننا نقيم في الدور الأسبوعي كل سبت ذكرى للأموات. وذلك لأن السبت بالعبرية هو يوم الراحة أو النياح. إلا أن هناك سبوت محددة بالسنة ُخصصت لتذكار الراقدين بشكل مميز. ومنها السبت من أسبوع الابن الضال لأنه يتقدم أحد الدينونة, حيث يليق بنا أن نصلي للأموات ولأجل رحمتهم ومن أجل تحنن القاضي العادل(سنكسار التريودي).
الرسالة كما الإنجيل يتكلمان عن أكل اللحم وعن الدينونة كتمهيد لأحد الدينونة (مرفع اللحم) وهما مشبعان بالمعاني حول العفة والصوم.
نقيم فيه تذكار المجيء الثاني والدينونة العامة.
يتكلم النص الإنجيلي عن يوم الدينونة والمحبة بأفعالها الحقيقية كمعيار له (متى 25, 31-46). والرسالة (1كور 9:8-2,9) تتكلم عن محبة القريب ورفع أكل اللحم "لا آكل لحماً إلى الأبد" موضوع الرسالة هنا خاص ومتعلق بالأحد لفظياً أكثر مما هو موضوعي. إلا أنه يوضح أن محبة القريب(معيار الدينونة) أهم من الطعام واللحم. لا يفيدنا ماذا وكم نأكل وإنما ماذا وكم نحب حاجة القريب أهم من حقوق الذات, وهذا هو معنى المحبة العميق. المحبة إذن موضوع يضعنا ليس في العواطف بل على أبواب المسؤولية تجاه كل "أخ يسوع" معذب وضعيف.
سبت مرفع اللحم مشابه في مواضيع قراءاته مع قراءات أحد مرفع الجبن( الصوم الحقيقي- محبة القريب أهم من أكل اللحم).
ومن هذا الاثنين يبدأ الصوم جزئياً.
نص الإنجيل يتكلم عن الفضائل الحقيقية والصوم الحقيقي وارتباطها. كما يتكلم عن الغفران (متى 14:6-21) خصص هذا الأحد للغفران لكي يدخل المؤمنون الصوم بالمحبة غير المجروحة.
ونص الرسالة (روم 11:13-14 , 4:14) يشير إلى المسيح آدم الثاني الذي جعل "خلاصنا الآن قريباً", ولمستلزمات ذلك من طهارة الحياة والصوم دون إدانة لمن لا يصوم, لأن الإدانة تفسد الصوم. فعلينا أن نطرح أعمال الظلمة ونلبس أسلحة النور.
يقام مساء هذا الأحد غروب الغفران كأول غروب فيه طقس غروب الصيام مع البروكيمنون الكبير "لا تصرف وجهك عن عبدك...." . وجرت العادة أن يتجه المؤمنون إلى الكنيسة ويستغفرون بعضهم بعضاً.
الطقس كله هنا يعيد الحركة بالعكس, من طرد آدم من الفردوس بسبب الأكل إلى حركة غفران بواسطة الصيام ودخول الفردوس من جديد. الترانيم متأثرة جداً بقراءات الأحد وتلخص معناه.
نقيم في آحاد الصوم تذكارين عموماً. موضوع التذكار الأول متعلق بالأحد في سلسلة ومسيرة الصوم الكبير. ولكن الموضوع الثاني متعلق بأهم أحداث حياة الكنيسة وتاريخها.
تعيّد الكنيسة في الأحد الأول من الصوم لتذكار رفع الأيقونات ونصر الأرثوذكسية (843). ولكن بالوقت ذاته نعرف من دراسة المخطوطات, أنه قبل تثبيت هذا العيد, كان هذا الأحد يقيم تذكاراً للأنبياء هارون وموسى والباقين. نجد بقايا ذلك في موضوع الرسالة وفي بعض التسابيح. هناك مخطوطات في دير اللافرا تدل على وجود قانون (يرتل في السحر) للأنبياء وتوقيع بداياته "ليبتهج جوق الأنبياء باستحقاق" كذلك فإن الهليلوييا للرسائل تذكر "موسى وهرون في كهنته, كانوا يدعون الرب فاستجاب لهم". يجب أن ننتبه إذن إلى الموضوع المزدوج في آحاد الصوم. ما يمكن ربطه بين الموضوعين هو مثال جهاد موسى مع مواضيع الصوم والقيامة, وقوة الإيمان وأعماله في سبيل تحقيق المواعيد (الفصح-القيامة). يمكن استخدام عبارة الرسالة "يشاهدون ما هو أعظم" في مقابلتها مع التهيئة للفصح.
الإنجيل في الأحد الأول يشدد على "رؤية المسيح" بحيث فعلاً رأينا أيقونته وكما يقول الدمشقي بعد التجسد يمكننا أن نرسم الله إذ رأيناه. وعقيدة رفع الأيقونات قامت على مبدأ حقيقة أن الله تجسد, وهذا ما بدّل الموقف الكتاب بين عهديه القديم والجديد, قبل وبعد التجسد. "قد وجدنا المسيا" عبارة تناسب تماماً دعوة الموعوظين الذين يجري إعدادهم للمعمودية في الفصح.
قراءات الآحاد تحتاج لربط عميق مع الصوم وذلك لتنوع مواضيعها ورمزية اختيار النصوص. قراءات آحاد الصوم تحمل هذا الطابع المزدوج, لذلك سنجد فيها ارتباطين. الارتباط الأول يتعلق بطبيعة الصوم الكبير كتهيئة للفصح والقيامة وطبيعة الصوم كفترة تهيئة للموعوظين, لذلك تدعو النصوص للتوبة مثلاً. والارتباط الثاني مع العيد الذي دخل لاحقاً.لإحياء تذكار أحداث هامة من التاريخ الكنسي.
هكذا يمكن أن نفهم نص الإنجيل للأحد الأول أننا وجدنا المسيا, أي تحققت مواعيد العهد القديم و"تعال وانظر" هي دعوة واضحة للموعوظين. ورسالة الأحد الأول تذكر الأنبياء الذين كلهم "مشهوداً لهم بالإيمان لم ينالوا المواعيد, "لأن الله سبق فنظر لنا شيئاً أفضل ألا يكملوا بدوننا", وبهذا أيضاً هناك دعوة واضحة للتوبة والإيمان الجديد.
لذلك قراءات الأحد الثاني تحمل الموضوع القديم. فالرسالة تشدد "كيف َنفلتُ نحن إن أهملنا خلاصاً عظيماً كهذا". والإنجيل يتكلم عن غفران الخطايا للمخلع وضرورة شفاء النفس قبل الجسد, وإذا شفيت لا تعود تخطئ. وهي صورة معبّرة لدعوة الإنسان المخلع إلى التوبة ونيل الغفران وبناء الحياة الجديدة. ليس من السهل ربط هذه القراءات بعيد القديس بالاماس مباشرة الموضوع الذي لا تلحظه القراءات أبداً, التي تم وضعها قبل تكريس هذا العيد, وتخدم الطقس الليتورجي القديم للصوم وليس للعيد الجديد (بالاماس).
في الأحد الثالث من الصوم نقيم تذكاراً للصليب المقدس وترتبط الترانيم والقراءات بهذا الحدث مباشرة. تم تحديد هذا العيد في الأحد الثالث من الصوم منذ القرن العاشر تذكاراً لنقل خشبة الصليب أيام يوستينوس. تدور الترانيم حول تقريظ الصليب. بينما الرسالة (عب 14:4-6:5) والإنجيل (مرقس 34:8-1:9) يتكلمان عن سرّ الصليب كمذبح قدّمَ عليه المسيح ذاته ويقدم المسيحي به ذاته. ومن هنا أخذ هذا الأحد مع حلوله في وسط الصوم موضوع التشديد والتثبيت وحمل الصليب حتى نتابع الصوم إلى يوم القيامة. إذ يعزي الصليب المجاهد, وهذا ما نجده في التسابيح.
في الأحد الرابع من الصوم نقيم تذكار القديس يوحنا السلمي, وذلك منذ القرن الرابع عشر, بينما قبل ذلك كان يقام ذكر مثل السامري الصالح. بعض المخطوطات تظهر قانوناً للسحر يرتبط فيه هذا الأحد (السلمي) مع السامري الصالح, الذي يمثل البشرية التي وقعت في الخطيئة بين أيدي اللصوص. المخطوطة 210 السـينائية من القرن (9-10) تورد في القراءة الإنجيلية نص السامري الصالح. بينما القراءة الإنجيلية اليوم هي مقطع فيه شفاء يعجز عنه التلاميذ وطرد الشياطين الذي لا يتم "إلا بالصوم والصلاة", ثم يتلوه ذكر نبوءة المسيح عن آلامه. كلها مواضيع ترتبط تماماً باقتراب الآلام والفصح وضرورة الصوم والصلاة والنسك الذي كان السلمي معلماً له. ُيقرأ كتاب "السلم إلى الله" في الأديار خلال فترة الصوم الكبير.
تكلم بينما الرسالة في هذا الأحد عن "التعزية القوية الناتجة عن تمسّكنا بالرجاء الموضوع أمامنا" وقسمْ الله "بإعطاء الموعد" بمناسبة بدء اقترابنا من نهاية الصوم, لذلك علينا أن نتمسك بالنسك لننال التعزية القوية.
نقيم في الأحد الخامس من الصوم تذكار البارة مريم المصرية, وذلك منذ القرن الحادي عشر. بينما كان هذا الأحد قبلها يذكر مثل الغني ولعازر, وهذا مازال محفوظاً في الترانيم. لذلك نرى في السحر قانوناً يذكر الأم مريم المصرية وآخر يذكر الغني ولعازر. مريم المصرية هي مثال للتوبة والتحول أمام الصائمين.
الرسالة تذكر علانية أن "دم المسيح يطهر ضمائرنا من الأعمال الميتة لنعبد الإله الحي" الأمر الذي توضحه حياة مريم المصرية. بينما الإنجيل يصل إلى إعلانات يسوع الصريحة عن آلامه وقيامته في اليوم الثالث (مرقس 31:10-46).
سبت لعازر يحمل طابعاً قيامياً, إنها القيامة العامة ستبرهن بقيامة المسيح. وقد تشكلَ هذا العيد منذ القرن الرابع. لذلك الرسالة (عب 28,12-8:13) "يسوع هو هو أمس واليوم وإلى الأبد". والإنجيل يعلن أن يسوع "هو القيامة والحياة".
يحتفل فيه بدخول الرب يسوع الظافر (الأول) إلى أورشليم. وهذا ما نطالعه في كتابات إيثريا الرحالة. وقد عمَّ شرقاً وغرباً منذ القرن السابع.
الشعانين التي هي "رموز الفضائل" تعدّنا للمشاركة في أسبوع الآلام لكي إذا ما متنا معه نقوم معه بقيامته. وهو "إله السلام" كما تقول الرسالة. والإنجيل يضعنا تماماً في تاريخية الحدث.
ارتبط الصوم الأربعيني منذ القديم بتذكار مسيرة الشعب في العهد القديم أربعين سنة في البرية. وأخذ الصوم طابع المسيرة نحو الفصح. ضمن فترة "التهيئة" للفصح, يحتل أيضاً كل يوم سبت مكان التهيئة لفصح الأحد. لذلك خلال أيام الأسبوع تنقطع الكنيسة عن إحياء القداس الإلهي ما عدا يومي السبت والأحد. وهكذا حافظ السبت من بين أيام الأسبوع على طابع ليتورجي خاص كـ"تهيئة". كما أن تأثر يوم السبت بيوم السبت العظيم جعل هذا اليوم هو "عيد الجحيم" وعيد موت الموت. إنه اليوم الذي استراح فيه "ابن الله الوحيد". لذلك يعتبر يوم الأحد هو اليوم الثامن يوم الخليقة الجديدة. وتبقى للسبت مكانته كيوم الراحة والانتقال, إنه يوم يصل بين راحة الخليقة والملكوت.
تعتبر كل أيام السبوت على مدى السنة يوماً للراقدين. ولأسباب ليتورجية (ذكرهم بالقداس), وباعتبار السبت يوم التهيئة, ولطابع الصوم الكبير كعبور وانتقال, حافظ السبت على طابعه الليتورجي المميز عن أيام الأسبوع. فهو يوم إفخارستي. لذلك فيه فقط نجد المقاطعَ الكتابية, والرسائل والإنجيل, كما هو يوم الأحد.
يتم التركيز في رسائل الأسبوع على اختيار مقاطع من رسائل بولس تتمحور عموماً حول اكتمال التدبير الإلهي وبلوغنا النهاية و الإسختا , وما يرافق ذلك من دعوة للتوبة والعالم الجديد.
رسالة سبت الأسبوع الأول تذكر "وفي منتهى الأيام" لتضعنا في الانتظار واليقظة. ورسالة سبت الأسبوع الثاني تركزّ على اليقظة "مادام الوقت". ورسالة سبت الأسبوع الثالث تذكّر أن الجهاد قاسٍ ولكن لدينا كنز أفضل في السماوات باقياً, الأمر الذي يشددنا على الصبر والانتظار والتهيئة. كذلك رسالة الأسبوع الرابع تشدد على متابعة الحياة في الخدمة "والاجتهاد لكمال يقين الرجاء إلى المنتهى لنرث المواعد", إنه يوم التهيئة للموعد. أما رسالة السبت الخامس فتتكلم عن سرعة الزمن إذ "سيظهر(المسيح) ثانية للذين ينتظرون الخلاص". هكذا تنتهي رسالة السبوت كتهيئة ويقظة وصبر وثبات على انتظار "الاكتمال".
أناجيل سبوت الصوم الكبير مختارة من مقاطع مرقس الإنجيلي. وتبدأ بالسبت الأول بالمقطع الإنجيلي الذي يوضح الخلاف بين يسوع والفريسيين حول المعنى الحقيقي للسبت, أي الذي هو "فعل" الخير: "أَيحل فعل الخير أم الشر في السبت ؟". وتتتالى مقاطع السبوت الأخرى لتوضح أن يسوع "رب السبت" و"فاعل" الخير, مركزة على أفعال يسوع (عجائبه) التي في إنجيل مرقس. ففي السبت الثاني يشفي يسوع الأبرص (يعمل الخير), وفي السبت الثالث يأكل مع العشارين والخطأة فهو سيد الناموس ويعرف أن يحققه في عمقه حين يدعو الخطأة للتوبة. وفي السبت الرابع يجعل الأخرس ينطق مما يجعل الجموع تندهش وتقول "لقد أحسن في كل ما صنع" وكأنها تكرر كلمات التكوين "وكان كل شيء حسناً". الرب يسوع يعيد للسبت حقيقته أي تجديد الخليقة وإصلاحها "بانتظار يوم التجديد" (اليوم الثامن), لذلك يختم السبت الخامس بصرخة بطرس "أنت هو المسيح" رب السبت. حين يحقق يسوع هذه الآيات هذا دليل (بدء حضور) ملكوت الله. أفعال السبت هي إصلاح هذا الدهر بانتظار الإصلاح الشامل في يوم القيامة الأحد.
هناك سبت مخصص للقديس ثيوذوروس التيروني وسبت المديح وسبت لعازر وهي تحمل معانٍ خاصة بها, خاصة في الترانيم.
تتم في هذه الفترة قراءة إنجيل يوحنا وأعمال الرسل مكان الرسائل ويبدو أن هذا التقليد كان قديماً حيث كانت تقرأ بعد إنجيل يوحنا أناجيل متى ولوقا ومرقس . وهذا ما نجده في التيبيكون القسطنطيني (قرن 10). يمتد البندكستاري 57 يوماً من العنصرة إلى أحد جميع القديسين, مطبوعاً بمعاني الماء الحي والحياة والنور والخلق الجديد...
تتضمن فترة البندكستاري (الخمسينية) مدة سبعة أسابيع وثمانية آحاد تتابع فيها امتداد الفصح كمعنى لإعادة جبلة الخليقة والتجديد وتحقيق الوعد بقيامة المسيح. وتبدو الكنيسة متوشحة بالضياء ونور القيامة والحياة السماوية. المواضيع الأهم في هذه الفترة الليتورجية هي إبراز العمل الخلاصي الذي تمَّ بالمسيح عبر قيامته وحضوره القائم. وبالتالي تشددّ على إعادة إصلاح نتائج الخطيئة, مثل الأهواء والأمراض وبالنهاية الموت.
تبدأ هذه الفترة بأسبوع التجديدات, حيث يتم فيها تكرار قداس الفصح يومياً وتظهر كيوم ثامن واحد. ثم يتلو آحاد توما وحاملات الطيب والمخلع والسامرية والأعمى لتنتهي بأحد العنصرة. وتتوسطها أعياد هامة مثل نصف الخمسين والصعود.
يعتبر الأسبوع كلّه كيوم واحد سيدي, وسمي بأسبوع التجديدات لأنه كان يتلو اليوم العظيم (الفصح) الذي كانت تتم فيه المعموديات الجماعية, وتبدأ فيها "الحياة الجديدة" والتجديد الروحي. وكان المعمّدون الجدد يرتدون اللباس الأبيض حتى أحد توما, ولهذا كان يدعى هذا الأحد "الأحد الأبيض" (Dominica in albis), وكذلك الأسبوع كله بأسبوع البياض, وكانوا يحملون معهم شمعة بيضاء ويتقدمون إلى القرابين الإلهية كل يوم مع المؤمنين, ويتلقون تتمة المواعظ المتعلقة بالمعمودية والحياة الجديدة وتناول القرابين وسرّ الشكر الإلهي (مواعظ كيرللس الأورشليمي). قانون 66 المجمع الخامس - السادس في ترولو يطلب أن يُعيّد طيلة الأسبوع وذلك بقراءة الكتب المقدسة والانشغال بالتسابيح والترانيم الروحية وألا نلتفت إلى أعمالٍ عمومية ودنيوية . بينما "أوامر الرسل" تحدد عطلةً طيلة الأسبوع .
تعاد كل الأسبوع ترانيم الفصح مع تبديل قطع الألحان الثمانية للقيامة فقط. وتقرأ قراءات تالية للفصح مختلفة ولكن يكرر "ميمر القديس يوحنا الذهبي الفم". ويبقى طيلة الأسبوع البروكيمنن الكبير. وتستبدل صلوات نصف الليل والساعات بـ"سواعي القيامة". كل هذه التبديلات يمكنها أن تغني أفكار الوعظ وأن تثير مواضيع لهذا الأسبوع.
يوم جمعة أسبوع التجديدات ُيعيّد "لينبوع الحياة", وترتل فيها الخدمة التي نظمها نيكوفوروس كسانثوبولس لتذكار تدشين كنيسة "والدة الإله ينبوع الحياة" وتكريماً لعجائبها .
أما القراءات الإنجيلية لأسبوع التجديدات فتدور حول تحقيق نبوءات وانتظار العهد القديم في شخص يسوع المسيح وآلامه وقيامته (شهادة المعمدان -يسوع يشرح الكتب لتلميذي عمواس- فيليبس يدعو نثنائيل لأنه وجد مسيا الذي كتب عنه موسى والأنبياء - يسوع يكشف لنيقوديموس الحياة الجديدة بالروح وحياة المولود من الروح وأنه لم يصعد إلى السماء (قام) إلا الذي نزل من السماء "الله المتجسد - دانيال".
قراءات الفصح لا تروي حدث القيامة, مما يصعب عليها الوعظ المباشر. فالرسالة تفتتح كتاب أعمال الرسل الذي يتكلم عن المعمودية بالروح وعن إرسال التلاميذ من أورشليم إلى اليهودية والسامرة وأقصى الأرض.
والإنجيل يفتتح قراءات يوحنا, حيث يتم ذكر التدبير الإلهي من البدء إلى تجسد الكلمة وكيف جاء النور والظلمة لم تدركه, وحضور عهد النعمة بيسوع المسيح.
ربما يمكننا تناول موضوع الإيمان الجديد بعد قيامة المسيح (خاصة للموعوظين), أو موضوع عهد النعمة من قيامة المسيح, أو يمكننا التشديد على معاني النور والظلمة, الحياة القديمة والحياة الجديدة, وارتباط قيامة المسيح أنثربولوجياً بحياتنا. كما يمكن العودة خاصة للطقس أو لميمر الذهبي الفم.
تأخذ آحاد البندكستاري اسمها عموماً من عنوان المقطع الإنجيلي. كما أن التسابيح الطقسية تأخذ الكثير من هذه القراءات. يكرر الأحد تأكيد حدث القيامة. لذلك من أهم المواضيع هو دور شك توما في تأكيد القيامة لنا . كذلك من المواضيع ظهورات السيد للتلاميذ, والإيمان بقيامة المسيح.
بينما الرسالة توضح أنه "بقدرة وباسم ميت لا يمكن للرسل أن يقيموا الأموات" (الذهبي الفم). استمرار قوة يسوع على يد تلاميذه يبرهن أنه حي, حيث "كانت تجري على يد الرسل آيات وعجائب كثيرة" باسم يسوع وكانوا يكلمون الشعب بجميع كلمات هذه الحياة".
القراءة تعيد نص إنجيل سحر القيامة (مرقس), وتدور حول دفن المسيح وزيارة حاملات الطيب وجرأتهن ويوسف الذي يطلب جسد يسوع (برهاناً عن موته فعلاً), ثم القبر الفارغ. إنهم الشهود الأوائل لدفن المسيح وقيامته. أشخاص القراءة الإنجيلية وخاصة حاملات الطيب هم شهود قيامة المسيح. وتقدم الترانيم مادة واسعة للوعظ. القيامة تجعل معاينيها (النساء هنا) رسلاً يبشرون بالرب. هناك ارتباط قوي بين القيامة والإرسال.
تتابع القراءة من كتاب أعمال الرسل بالتسلسل من دون أي ارتباط بالأحد أو بالإنجيل ولكنها تتكلم عن عودة الحياة إلى الكنيسة التي قامت بعد قيامة المسيح. وكيف بدأ عمل الروح ُيكوّنْ الجسد السّري للمسيح وينظمه. كما أن هناك مواضيعَ جانبية هامة كدور الكلمة والخدمة في بناء جسم الكنيسة.
إذا كانت نصوص الآحاد السابقة تدور حول أحداث القيامة (الفصح الثاني=أحد توما- حاملات الطيب) فإن القراءات من هنا تبدأ تتخصص بالمعاني اللاهوتية وليس التاريخية لحدث القيامة.
الماء الذي يحركه الملاك وبيت حسدا, كلها معاني لوجود الحياة المعطاة من الله في العالم الذي لا يحمل بذاته الحياة. عمل الله يعطي حياة, لا بل مصدر الحياة في العالم هو الله. النعمة تعطي الحياة, وكلمة يسوع تحيي أعضاء المخلّع الميتة. النص الإنجيلي غني جداً في معانيه ولكن بعضها لا يرتبط بموقع النص الليتورجي. يمكنها أن تكون مواضيع لعظات جانبية ويمكن ربط القيامة بالقيامة الروحية: "ها قد عوفيت فلا تعد تخطئ" (وخاصة تجاه الموعوظين).
تصدف في الرسالة قراءة نص شفاء مخلع ولكن الآن على يد بطرس: "يا أنتيباس يشفيك يسوع المسيح, قمْ....", ثم إقامة طابيثا.... هذه مواضيع في تشابهها مع أعمال يسوع, وكونها تتم بقوته تعني أن الكنيسة- الرسل, أي جسد المسيح السري هي يسوع الحي, هو هو إلى الأبد, يعطي الحياة للعالم. كلمة الله محيية وكذلك كل كلمة باسمه.
القراءة الإنجيلية تتناول نصاً واسعاً وغنياً ويحتوي على مواضيع بارزة (يوحنا 5:4-42). ترانيم الأحد والأسبوع كله تدور حول الماء الحي والسامرية وحول العبادة الحقيقية. فمازالت صورة الماء (أحد المخلع- السامرية) كماء للحياة تتكرر. وأيضاً موضوع تبديل الحياة بعد لقاء يسوع, وعبادة الله بالحق والروح, وارتباط الروح الذي يرسله الابن بعد قيامته بالماء والمعمودية والحياة الجديدة, التي تعرّف عن "المسيا"، وعن زمن العهد الجديد الذي سيعطي فيه الله الروح، ومن يتناول منه تفيض من جوفه أنهار ماء حية.
رسالة أحد السامرية تشرح امتداد الكنيسة وانتشارها بعد القيامة واضطهاد الرسل في أورشليم. وكيف يجمع الروح الكنيسة, وكيف يهتم الأغنياء بالفقراء والذين في راحة بالذين هم في شدة.
إلا أن ما يميز هذا المقطع أنه بإمكاننا (في أنطاكية) أن نبدأ قراءته من12:11 وليس 19:11 كما هو محددّ في كتاب الرسائل. حيث سنتوقف إذا أردنا على "ودعي التلاميذ في أنطاكية أولاً مسيحيين". الأمر الذي يسمح لنا بالوعظ في هذه الفترة عن البشارة ومعنى اسم المسيحي وهموم وواقع الكنيسة الأنطاكية, المواضيع التي لا تقل أهمية عن الأفكار الأخرى التي في متن الرسالة المحددة.
تبدأ هنا معاني القيامة والخلق الجديد تستعير صورة النور. كذلك يتكوّن النص الإنجيلي من مقطع طويل مليء بالمعاني. إلا أن ربطه بالقيامة يتطلب أن تنحصر في موضوعه الأساسي, وهو ارتباط النور بالحياة, فحركات الرب يسوع في فتح عيني الأعمى كحركات الله في الخلق الأول -إنها إعادة خلق الجبلة, (إعطاء حياة) لعيون لم تعرف الحياة. إقامة الحياة في عيون الأعمى الميتة هي خلق ثانٍ, يبرهن أن المسيح هو نور العالم فعلاً كما أعلن ذلك لليهود (يوحنا 12,8) قبل قليل.
يحمل النص أيضاً العديد من المعاني التي تناسب "الحياة الجديدة" التي ما بعد القيامة والمعمودية. تستمر الرسالة بحسب التسلسل الطبيعي للقراءات في هذه الفترة, لا ترتبط مباشرة بالإنجيل. تدور حول مرافقة الروح لبشارة التلاميذ وإطلاق البشارة وحمايتها وتأييدها. أيضاً تظهر فيها مناوأة البعض لتقدمّ الب